2012-11-01

"الرقم الوطني" يطيح بآمال أطباء أسنان غزيين في العمل

02/01/2012
محمد الكيالي
عمان - يلقبون بـ "الأحياء الأموات"، ولا يملكون أدنى فرص لممارسة الحياة الطبيعية لكل إنسان من عمل وغيره من الحقوق، حتى إن شهاداتهم الجامعية العليا أصبحت محشوة في أدراج الخزائن، بعد معاناة الدراسة وتكاليفها الباهظة.
أطباء الأسنان من أبناء غزة، والذين ولدوا في الأردن وتربوا على ترابه، وعاشوا بين أبنائه، وتنفسوا هواءه العليل، ضاقت بهم السبل لتحصيل ورقة تثبت حقهم بمزاولة مهنة طب الأسنان التي أحبوها وتخصصوا بها، ودرسوها في مختلف جامعات العالم، ولأنهم لا يحملون سوى جواز سفر مؤقت بدون رقم وطني، أوصدت أبواب فرص العمل في وجوههم.
والتقت "الغد" عددا من هؤلاء الأطباء مؤخرا، حيث قال أحد أطباء الأسنان من ذوي الأصول الغزية، الدكتور أحمد محمد، إنه تخرج من جامعات أوكرانيا، وحين عاد إلى الأردن ليستكمل باقي أوراق اعتماده في النقابة، تبين له أن الرقم الوطني هو الأساس للحصول على مزاولة المهنة.
وأكد محمد أنه عاطل عن العمل منذ سنوات عدة، مشيرا إلى أن الأهالي الذين ابتعثوا أبناءهم للدراسة والتخصص في الخارج وتكبدوا مبالغ كبيرة عليهم، يجدون أبناءهم منذ إكمالهم لدراستهم وتخصصهم بينهم، بدون أدنى فرصة للعمل.
وأوضح أن طبيب الأسنان من أصول غزية، لا تتم معاملته على غرار جنسيات عربية أخرى تشهد اضطرابات ولجأ أبناؤها إلى الأردن، مثل العراق وسورية وليبيا، مبينا أنه حتى الشرق آسيوي يمكنه العمل في الأردن والحصول على مزاولة مهنة.
وأضاف أنه عندما ذهب للنقابة ليسجل، قال له أحد المسؤولين في النقابة "ارمي حالك في البحر"، مشيرا، وفي نفسه مرارة الحديث عن وضعه وزملائه: "أتمنى أنه حتى لو كانت هناك حقوق للحيوانات، أن يضعوني بينهم".
وبين محمد أن جميع أطباء الأسنان على غراره، يخافون من العمل خفية، حيث إنهم لو حصلوا على عمل فإن الراتب لن يتعدى 150 دينارا، بدوام كامل، مع عامل الخوف والارتباك الذي يعتريهم.
وأشارت طبيبة الأسنان الدكتورة ميساء هاشم، الخريجة من الجامعة الأردنية العام 2008، إلى أنها عملت في وكالة الأونروا لمدة 6 أيام قبل أن تتركها بعد أن طلب منها الإداريون هناك أن تظهر شهادة مزاولة المهنة الصادرة من نقابة أطباء الأسنان.
وبينت ميساء أنها تعاني الأمرين من قرار حرمانها من العمل، مؤكدة أنه لا توجد أية دولة تمنحها حق العمل بحرية أسوة بزملائها أطباء الأسنان، بل حتى لو عادت إلى قطاع غزة، فإن النقابة هناك لا تمنحها رخصة مزاولة المهنة، لأنها تحمل الجواز الأردني.
وناشدت ميساء جلالة الملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء عون الخصاونة النظر إلى معاناتهم، والتي تنحصر في بضع عشرات من أطباء الأسنان غير القادرين على العمل والحصول على أدنى الحقوق، من ضمان اجتماعي وتأمين صحي.
الدكتور إحسان نزار حاصل على شهادة الدكتوراة في طب الأسنان تخصص تقويم أسنان من روسيا العام 2004، والدكتور سامر حرب خريج سورية العام 2003، ويعمل في شركة زيوت سيارات منذ العام 2006، والدكتور إيهاب عوض خريج العام 1998، والدكتور حسام الدين مصطفى خريج جامعات رومانيا العام 1999، والدكتور ياسر عثمان خريج اليمن العام 1999، والدكتور عماد الشيخ خريج باكستان العام 1996، كلهم عاطلون عن العمل.
وأوضح أطباء الأسنان الذين التقتهم "الغد" أنهم لا يطالبون بمنحهم الجنسية، وإنما فقط بمنحهم رخصة مزاولة مهنة تكون سنوية ويتم تجديدها تلقائيا.
بدوره، أكد رئيس لجنة الشكاوى في نقابة أطباء الأسنان الدكتور إبراهيم اليمني، أن أعداد هؤلاء لا تتجاوز الثلاثين طبيبا، ولا يشكلون عبئا على الدولة لو تم منحهم رخصة مزاولة المهنة.
وأشار اليمني إلى أن هذه "الفئة المهمشة" من أطباء الأسنان، يحملون شهادات عليا في تخصصات طب الأسنان من مختلف الجامعات الأردنية والأجنبية والعربية، وعاشوا وتربوا في الأردن، وأكملوا جميع التزاماتهم للتسجيل في النقابة، غير أنهم اصطدموا بعقبة "الرقم الوطني" الذي حرمهم من الحصول على رخصة "مزاولة المهنة" من النقابة، وبالتالي حرمانهم من ممارسة عملهم في تخصصاتهم.
بدوره، قال نقيب أطباء الأسنان الدكتور عازم القدومي، إن تصريح مزاولة المهنة هو من صلاحيات وزير الصحة، بناء على تنسيب من نقابة أطباء الأسنان، شرط اكتمال شروط الترخيص.
وأشار إلى أن شروط الترخيص تتضمن أن يكون الطبيب حائزاً على شهادة البكالوريوس في طب وجراحة الأسنان، وأنهى فترة الامتياز، واجتاز الفحص الإجمالي المقرر من المجلس الطبي الأردني للأطباء الذين لا يحملون أرقاما وطنية.
وأوضح القدومي أن المشكلة القائمة في النقابة هي أن هناك "عددا من أطباء الأسنان غالبا ما ولدوا في الأردن وعائلاتهم مقيمة في المملكة، والبعض منهم لا يحق له دخول الضفة الغربية، ولسبب ما تم سحب الأرقام الوطنية منهم".
وشدد على أن مجلس النقابة معني كثيرا بحل مشكلة هذه الفئة من أطباء الأسنان، حيث تم طرحها أمام مسؤولين كبار في المملكة، من خلال توجيه مذكرة للحكومة لإنهاء معاناة هذه الفئة، وإيجاد حل جذري لهم يساعدهم على العيش بكرامة.
وقال، في المذكرة "إن ما يؤرق أطباء الأسنان الأردنيين وجود أطباء أسنان على الأرض الأردنية من إخواننا الفلسطينيين، الذين ولدوا على تراب هذا الوطن ودرسوا في مدارسه وتعلموا في جامعاته، ليجدوا أنفسهم وتحديدا بعد أن أصبح الرقم الوطني مطلبا لممارسة المهنة في العام 1998، لا يستطيعون خدمة الوطن بعملهم وعلمهم".
وأضافت المذكرة أن "الهيئة العامة للنقابة كانت متعاطفة مع هذه الفئة من أطباء الأسنان، واتخذت قرارا بضرورة معالجة هذا الوضع غير الإنساني، وطالبت بتعديل القانون للسماح لهم بالعمل والمزاولة، حيث تم رفع ذلك إلى رئاسة الوزراء في العام 1999، وجاء ردها بأنه لا مانع ولكن على أن لا يتعارض ذلك مع قانون النقابة".
ودعت المذكرة إلى أن "يشمل هذا القطاع من أطباء الأسنان الفلسطينيين حملة الجوازات المؤقتة، والذين لا يتجاوز عددهم العشرات".
من جهته، قال وزير الصحة الدكتور عبداللطيف وريكات إن قانوني نقابتي أطباء الأسنان والصيادلة يمنعان انضمام غير الأردني إلى صفوفهما، وإن القضية منوطة بالنقابتين.
ولفت وريكات إلى أن قطاعي أطباء الأسنان والصيادلة يشهدان بطالة في صفوف منتسبيهما، الأمر الذي يحول دون إعطاء هذه الفئة من أطباء الأسنان رخصة مزاولة المهنة.
يبقى أن معاناة هذه الفئة من أطباء الأسنان قيد "أمل" و"مكرمة" من أصحاب القرار في إنقاذهم من المأساة التي يقاسونها يوميا.

الغد